سليمان الدخيل
63
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
الناس يخلع لباس السواد ، ولبس الخضرة وكان هذا بخراسان فلما سمع العباسيون في بغداد ذلك آثارهم نقل الخلافة من البيت العباس إلى البيت العلوي ، وخلعوا المأمون ، وبايعوا عمه إبراهيم بن المهدى ، ولما بلغ المأمون ذلك تخلص من وزيره الفضل بن سهل ، وكان يحجبه في مرو عن سائر الناس ، ويمنع الأخبار عنه ، وسار إلى بغداد ، وأعاد لباس السواد وأرضى بني هاشم ، على أنه استمر في إسناد الوزارة إلى الفرس ، فقلد الحسن بن سهل وزارته ، وتزوج ابنته ، وكان أعظم الناس منزلة عند المأمون « 1 » على أن نفوذ الفرس لم يستمر طويلا ، فلما توفى المأمون ، وولى المعتصم الخلافة ، أبعد الفرس كما أبعد العرب ، واستعان بالترك . وصفوة القول أن الفرس اشتركوا في الحياة السياسية في بغداد وكان لهم أثر أوضح في إدارة أمور الدولة ، واشتركوا في الجيش ، الذي كان يضم فرقة منهم ، وساهموا بنصيب كبير في الحياة الفكرية لكن بعضهم لم يصح إسلامه فأظهروا نحلهم القديمة كالزندقة ، وبذل الخلفاء قصارى جهدهم في تعقبهم واستئصال شأفتهم وكان هؤلاء الفرس قد دخلوا في الإسلام ظاهرا ليستفيدوا من حقوق المواطن المسلم لكنهم ظلوا يخلصون لعقيدتهم القديمة ، ويعملون على بثها في العلوم والآداب . الأتراك إستاء المعتصم من الفرس والعرب ، ورأى ضرورة استبدالهم بعنصر آخر ، ليس له مطامح الفرس القومية ، ولا الأهواء السياسية التي للعرب يضاف إلى ذلك أن المعتصم أمه تركية ، وكان به صفات الآتراك من حيث الشجاعة وقوة البأس ، فضلا عن أن الأتراك يتميزون بالروح العسكرية . جلب الأتراك إلى بغداد من بلاد ما وراء النهر ، وكانوا رجالا أشداء يعيشون
--> ( 1 ) ابن طباطبا : الفخري في الآداب السلطانية ص 202 .